فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ) * ( البقرة : 48 ) واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن ، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ، والتوبة أخرى ، والطاعة ثالثة ، وترك المعصية رابعاً : والإخلاص خامساً : أما الإيمان فقوله تعالى : * ( وألزمهم كلمة التقوى ) * ( الفتح : 26 ) أي التوحيد * ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) * ( الحجرات : 3 ) وفي الشعراء * ( قوم فرعون ألا يتقون ) * ( الشعراء : 11 ) أي أو يؤمنون وأما التوبة فقوله : * ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ) * ( الأعراف : 96 ) أي تابوا ، وأما الطاعة فقوله في النحل : * ( أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ) * ( النحل : 2 ) وفيه أيضاً : * ( أفغير الله تتقون ) * ( النحل : 52 ) وفي المؤمنين * ( وأنا ربكم فاتقون ) * ( المؤمنون : 52 ) وأما ترك المعصية فقوله : * ( وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله ) * ( البقرة : 189 ) أي فلا تعصوه ، وأما الإخلاص فقوله في الحج : * ( فإنها من تقوى القلوب ) * ( الحج : 32 ) أي من إخلاص القلوب ، فكذا قوله : * ( وإياي فاتقون ) * ( البقرة : 41 ) واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى : * ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) * ( النحل : 128 ) وقال : * ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( الحجرات : 13 ) وعن ابن عباس قال عليه السلام : " من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده " وقال علي بن أبي طالب : التقوى ترك الإصرار عل المعصية ، وترك الاغترار وبالطاعة . قال الحسن : التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله ، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله . وقال إبراهيم بن أدهم : التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً . ولا الملائكة في أفعالك عيباً ولا ملك العرش في سرك عيباً وقال الواقدي : التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق ، ويقال : التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك ، ويقال : المتقي من سلك سبيل المصطفى ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وكلف نفسه الإخلاص والوفا ، واجتنب الحرام والجفا ، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى : * ( هدى للمتقين ) * كفاه ، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله : * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ) * ( البقرة : 185 ) ثم قال ههنا في القرآن : إنه هدي للمتقين ، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس ، فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان . المسألة الثالثة : في السؤالات : السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلاً لا يختلف بحسب شخص دون شخص ، فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضاً فالمتقي مهتدي ، والمهتدي لا يهتدي ثانياً والقرآن لا يكون هدى للمتقين . الجواب : القرآن كما أنه هدى للمتقين ودلالة لهم على وجود الصانع ، وعلى دينه وصدق رسوله ، فهو أيضاً دلالة للكافرين . إلا أن الله تعالى ذكر المتقين مدحاً ليبين أنهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به كما قال : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) وقال : * ( إنما تنذر من اتبع الذكر ) * ( يس : 11 ) وقد كان عليه السلام منذراً لكل الناس ، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود فهذا السؤال زائل عنه ، لأن كون القرآن موصلاً إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . السؤال الثاني : كيف وصف القرآن كله بأنه هدى وفيه مجمل ومتشابه كثير ؛ ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه ، فيكون الهدى